واصف جوهرية

مقدمة 33

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

الانعزالية المذهبية . ومنع المسيحيون من دخول الأمكنة المقدسة الإسلامية ، والمسلمون من دخول الكنائس المسيحية والأديرة ، بمرسوم عسكري . وكانت العادة في تلك الأيام بالنسبة إلى الشباب المقدسي - من جميع الأديان - الخروج إلى الترهة في المروج الخضر داخل منطقة الحرم . ومع دخول الانتداب أصبحت المنطقة محظورة . ويصف واصف مغامرة قام بها في يوم ربيعي في نيسان / أبريل 1919 ، في أيام الحكومة العسكرية البريطانية الأولى ، عندما تظاهر بأنه " مسلم " ( أو مسلمان بلغة الهنود ) أمام حراس منطقة الحرم الهنود ، بينما منع رفيقه محمد مرزوقة ، ذو العينين الزرقاوين ، من الدخول ، لأن واصف " أوضح لهم " أنه يهودي . الخدمة في البحرية العثمانية في البحر الميت أنهى نشوب الحرب العالمية الأولى خمسة قرون من الحكم العثماني للقدس وفلسطين . وفي أعوام الحرب ، مرّ واصف بأشد فترات حياته درامية : موت والده ؛ بلوغه سن الرشد ؛ انتقاله إلى أريحا ؛ تجنيده في البحرية العثمانية - في البحر الميت ! شهدت الحرب تجنيد الآلاف من شباب القدس في الجيش العثماني ، بمن فيهم كثيرون من الرجال المسيحيين المقدسيين . فمع إدخال إصلاحات التنظيمات سنة 1839 ، وخصوصا بعد إصدار " قانون الولايات " سنة 1864 ، لم يعد أبناء الأقليات الدينية معفين من الخدمة . وشهد واصف كثيرين من أبناء عائلته القريبين ، وأغلبية معارفه ، يرسلون إلى الجبهة السورية . وضم هؤلاء أخاه الأصغر توفيق ، الذي نقل إلى دمشق بعد فترة قصيرة من العزف في الفرقة العسكرية التركية في القدس ، حيث أصيب بجروح بليغة في المعركة ، وأخاه الأكبر خليل ، الذي خدم في بيروت . ومع اشتداد تطويق الحلفاء للجيش العثماني ، انقلبت قيادته العامة ، بإمرة جمال باشا ، ضد القوميين العرب في سورية الكبرى . وكان خليل نفسه شاهدا على شنق عشرات الوطنيين العرب علنا في [ ما سمّي لاحقا ] ساحة الشهداء في بيروت . أمّا بالنسبة إلى واصف ، فالحرب كانت تعني أريحا ، والبحر الميت ، وازدهاره المهني الموسيقي . وفي سنة 1917 ، تسلّم مهمته الأساسية الأولى ، عاملا لدى وليّه ، حسين بك الحسيني ، في إدارة تجارة الحبوب الخاصة به بين فلسطين والأردن ، والذي كان العثمانيون أعفوه توا من عمله رئيسا لبلدية القدس ، وذلك لمصلحة ضابط تركي ( ورأى واصف في هذه الخطوة بداية تتريك نظام الإدارة العثماني ) . وفي غياب معبر للبضائع على نهر الأردن ، كانت التجارة تمر عبر البحر الميت بمراكب يملكها آل الحسيني . ومع بداية الحرب ، وضعت البحرية العثمانية يدها على هذا الخط الاستراتيجي ، وجرى تجنيد واصف في البحرية وهو في السابعة عشرة من عمره ( مع أنه يجب أن يكون الآن ابن 20 عاما - ويبدو أنه يخصم ثلاثة أعوام من عمره لأسباب غير موضّحة ) . وقد أمضى واصف ، خلافا لأخيه ، ونظرا إلى مهاراته الموسيقية ، أغلبية أعوام الحرب يمتّع ضباط البحرية الأتراك وعشيقاتهم . « 1 » وسريعا ما أنشئ ميناء على الشاطئ الغربي للبحيرة ، وأعطي جوهرية وظيفة قنطارجي ، نائب الضابط المسؤول عن وزن القمح المستورد ، الذي كان يشترى من القبائل البدوية في منطقة الكرك ويشحن عبر البحر إلى الجانب الفلسطيني . وقد أمضى واصف ما تبقى من أعوام الحرب " عسكري حبوب " في النهار ، و " ضابط عود " في الليل ، كما يسمي نفسه - إلى أن أعفي من مهماته بعد هزيمة العثمانيين على أيدي الحلفاء . لقد كانت تجارة الحبوب شريان الحياة للجيش العثماني ، ومصدر ثراء بالنسبة إلى آل الحسيني . ولضمان تزويد ثابت من شرق الأردن ، ولتعزيز جبهة فلسطين ضد قيادة الحلفاء في مصر ، بنى العثمانيون ميناء على الضفة الغربية للبحر الميت . وكان وليّ آل جوهرية حسين بك ، وكذلك واصف نفسه ، منخرطين مباشرة في بناء الميناء . وتضمنت العملية تجنيد عشرات الملاحين العرب من يافا ، الذين حملوا معهم تقاليدهم البحرية وجلبوا

--> ( 1 ) المخطوطة ، صفحة 241 وما يليها .